محمود ماضي
88
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
المبحث الثالث الاستدلال بأحوال النبي قبل النبوة وبعدها : إنه لا بد لكل رسول للّه أن يكون متصفا بصفات أساسية حتى يكون أهلا للرسالة من هذه الصفات الصدق والأمانة بحيث لو امتحن كل قول له لكان مطابقا للواقع إذا وعد أو عاهد أو جد أو داعب أو أخبر أو تنبأ وإذا انتقضت هذه الصفة أي نقض فإن دعوى الرسالة تنتقض لأن الناس لا يثقون برسول كاذب . والمكيون على خصومتهم لرسول اللّه ما كانوا يشكون في أنه صادق لأنه لو أخبرهم أن خيلا وراء الوادي ستغير عليهم لصدقوه لأنهم لم يعهدوا فيه كذبا ، لم يكذب قط في مهمات الدين ولا في مهمات الدنيا ، ولو كذب مرة لاجتهد أعداؤه في تشهيره ولم يقدم على فعل قبيح لا قبل النبوة ولا بعدها . كما أنه « صلّى اللّه عليه وسلّم » تحمل المتاعب في الرسالة لا طمعا في جاه بينما المتنبئ دعا من أجل طلب الدنيا . وقد صبر على هذه المشاق والمتاعب « بلا فتور في عزيمة ولما استولى على الأعداء وبلغ الرتبة الرفيعة في نفاذ أمره في الأموال والأنفس لم يتغير عما كان عليه ، ينضم إلى ذلك « أخلاقه العظيمة وأحكامه الحكيمة واحترامه حيث يحجم الناس ولولا ثقته بعصمة اللّه إياه من الناس . . . لامتنع ذلك عادة . ورسول اللّه « صلّى اللّه عليه وسلّم » وإن تلونت به الأحوال إلا أن حاله لم تتلون بل ظل على طريقة واحدة فلو تتبعنا علمنا « أن كل واحد منها وإن كان لا يدل على نبوته لأن امتياز شخص بمزيد فضيلة عن سائر الأشخاص لا يدل على كونه نبيا لكن مجموعها لا يحصل إلا للأنبياء قطعا فاجتماع هذه الصفات في ذاته من أعظم الدلائل على نبوته » « 1 » فضلا عن أن أمر النبوة لم يشغله قبل البعثة ، « فلم تزل أمارات النبوة لائحة ( فيه ) حين تدرج إليها وهو غافل عنها وغير متصنع لها » « 2 » . وهذه شهادة خصم عنيد لرسول اللّه « صلّى اللّه عليه وسلّم » وأعنى به أبا سفيان - قبل أن يمن اللّه عليه بالشهادتين . أخرج الإمام البخاري عن ابن عباس حديث أبي سفيان مع هرقل عظيم الروم ومنه يمكن الوقوف على الكيفية التي استدل بها هرقل - النصراني - على صدق محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » .
--> ( 1 ) - الإيجي : شرح المواقف ج 2 ص 427 . ( 2 ) - الماوردي : إعلام النبوة ص 37 .